الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
47
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 18 ] يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 18 ) هذا متصل بقوله : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ إلى قوله : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [ المجادلة : 14 - 16 ] وتقدم الكلام على نظير قوله : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا [ المجادلة : 6 ] . كما سبق آنفا في هذا السورة ، أي اذكر يوم يبعثهم اللّه . وحلفهم للّه في الآخرة إشارة إلى ما حكاه اللّه عنهم في قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . والتشبيه في قوله : كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ في صفة الحلف ، وهي قولهم : إنهم غير مشركين ، وفي كونه حلفا على الكذب ، وهم يعلمون ، ولذلك سماه تعالى فتنة في آية الأنعام [ 23 ] بقوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . ومعنى وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ يظنون يومئذ أن حلفهم يفيدهم تصديقهم عند اللّه فيحسبون أنهم حصّلوا شيئا عظيما ، أي نافعا . و عَلى للاستعلاء المجازي وهو شدة التلبس بالوصف ونحوه كقوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ في سورة البقرة [ 5 ] . وحذفت صفة شَيْءٍ لظهور معناها من المقام ، أي على شيء نافع ، كقوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [ المائدة : 68 ] . وقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم لمّا سئل عن الكهّان « ليسوا بشيء » . وهذا يقتضي توغّلهم في النفاق ومرونتهم عليه وأنه باق في أرواحهم بعد بعثهم لأن نفوسهم خرجت من عالم الدنيا متخلّقة به ، فإن النفوس إنما تكتسب تزكية أو خبثا في عالم التكليف . وحكمة إيجاد النفوس في الدنيا هي تزكيتها وتصفية أكدارها لتخلص إلى عالم الخلود طاهرة ، فإن هي سلكت مسلك التزكية تخلصت إلى عالم الخلود زكية ويزيدها اللّه زكاء وارتياضا يوم البعث . وإن انغمست مدة الحياة في حمأة النقائص وصلصال الرذائل جاءت يوم القيامة على ما كانت عليه تشويها لحالها لتكون مهزلة لأهل المحشر . وقد تبقى في النفوس الزكية خلائق لا تنافي الفضيلة ولا تناقض عالم الحقيقة مثل الشهوات المباحة ولقاء الأحبة قال تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ [ الزخرف : 67 - 70 ] . وفي الحديث : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « إن رجلا